Since 2017

من اذن للراحل أن يغني ؟

2026-07-15

من اذن للراحل أن يغني ؟

‫أثناء قيادة المركبة، وبينما كانت أغاني الصباح تتبدل عشوائيًا، ...هذا الصوت مألوف ...لحظة صمت قصيرة… ثم محاولة للتأكد ...نعم، إنه هو ...متعب الصقار.‬
‫‬
‫‬
‫ورغم أن أول ما حضر كان حبلًا طويلًا من الذكريات الجميلة، إلا أن تلك العادة اللعينة التي تنشأ في داخل من مارس مهنة المحاماة لم تترك المشهد يمر ببراءته الأولى.‬
‫‬
‫‬
‫السؤال لم يعد: هل الأغنية جميلة؟ بل أصبح: هل هذا قانوني؟‬

‫‬
‫السؤال ليس: هل التقنية مبهرة؟ ولا حتى: هل الجمهور أحب الفكرة؟‬

‫‬
‫السؤال الحقيقي أخطر بكثير هل يجوز لشركة أن تصنع أغنية جديدة بصوت فنان متوفى، وتضع صورته في فيديو كليب، فيبدو للجمهور وكأنه عاد وغنى فعلًا؟‬
‫‬
‫‬
‫بمناسبة ما أثير حول أغنية "درب الأساطير"، واستخدام صوت مطابق لصوت الفنان الأردني الراحل متعب الصقار، المتوفى بتاريخ 24/04/2021، مع استخدام صورته في الفيديو كليب،‬
‫‬
‫‬
‫تظهر فجوة قانونية جديدة: نحن لا نتحدث عن إعادة نشر أغنية قديمة غناها الفنان في حياته، بل عن إنشاء عمل جديد بعد وفاته، بصوت يشبهه، وصورة تمثله، وحضور يوحي بأنه شارك في العمل.‬
‫‬
‫‬
‫وهنا تبدأ المشكلة لو كانت الشركة استخدمت أغنية قديمة، لقلنا: نبحث حق الاستغلال المالي لحقوق المؤلف، و/أو وفنان الأداء، و/أو التسجيل الصوتي الأصلي.‬
‫‬
‫‬
‫لكن في هذه الحالة، الفنان لم يغنِّ، لم يوافق، لم يؤدِّ، ولم يكن موجودًا أصلًا وقت إنتاج العمل.‬
‫‬
‫‬
‫إذن: من أعطى الإذن لصوته أن يعود؟‬
‫‬
‫‬
‫القانون الأردني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة يحمي المصنفات المبتكرة. فقد نصت المادة (3/أ) منه على أن:‬
‫‬
‫"تتمتع بالحماية بموجب هذا القانون المصنفات المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم ايا كان نوع هذه المصنفات او اهميتها او الغرض من انتاجها."‬
‫‬
‫‬
‫كما نصت المادة (3/ب) على أن الحماية تشمل المصنفات التي يكون مظهر التعبير عنها:‬
‫‬
‫"الكتابة او الصوت او الرسم او التصوير او الحركة و بوجه خاص .... 4- المصنفات الموسيقية سواء كانت مرقمة ام لم تكن او كانت مصحوبة بكلمات ام لم تكن."‬
‫‬
‫‬
‫أي أن الأغنية الجديدة، من حيث الكلمات واللحن والتوزيع والفيديو كليب، قد تكون بحد ذاتها مصنفًا محميًا.‬
‫‬
‫لكن هذا لا يجيب عن السؤال الأصعب:‬
‫‬
‫‬
‫هل يجوز أن يكون قلب هذا المصنف الجديد صوت شخص مات قبل إنتاجه؟‬
‫‬
‫‬
‫الصوت، في حالة الفنان، ليس مجرد موجات صوتية، الصوت هو التوقيع، هو الذاكرة، هو الشخصية الفنية.‬
‫‬
‫هو ما جعل الجمهور يقول من أول ثانية: هذا متعب الصقار.‬
‫‬
‫‬
‫القانون الأردني في المادة (2) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وتعديلاته يعرف فنان الأداء بأنه:‬
‫‬
‫"الممثلون والمغنون والموسيقيون والراقصون وغيرهم من الأشخاص الذين يمثلون أو يغنون أو يلقون أو ينشدون أو يعزفون أو يؤدون بالتمثيل أو بغيره مصنفات أدبية أو فنية أو أي وجه من أوجه التعبير الفولكلوري."‬
‫‬
‫‬
‫كما نصت المادة (23/ب) على أنه:‬
‫‬
‫"يكون لفنان الاداء الحق في ان ينسب اليه اداؤه السمعي الحي او اداؤه المثبت في تسجيل صوتي حتى وان كانت الحقوق المالية المتعلقة بهذا الحق قد انتقلت الى الغير، الا اذا كان الامتناع عن نسب الاداء اليه تفرضه طريقة الانتفاع بالإداء وله الاعتراض على أي تعد على هذا الحق ومنع كل تحريف او تشويه او أي تعديل اخر لإدائه قد يلحق ضررا بسمعته."‬
‫‬
‫‬
‫هذا النص اول نقطه تبين العجز التشريعي بتغطية سؤال المقال إذ أنه يتحدث عن أداء حي أو أداء مثبت في تسجيل صوتي حقيقي للفنان وأن الذكاء الاصطناعي هنا لا يعيد بث أداء قديم، بل يصنع أداءً جديدًا يشبه الفنان لكن هو أداء غير حقيقي للفنان فبتالي لا يملك أي شخص حق الاعتراض على عدم نسبة هذا الأداء للفنان ولا يملك أي شخص الاعتراض تحريف او تشويه او أي تعديل على هذا الأداء فالأصل الشرعي الجواز ما لمم يرد نص بالتحريم‬
‫‬
‫‬
‫فماذا لو قامت شركة أخرى بإنشاء اغنية بصوت الراحلة ام كلثوم وهي تغني بطريقة لا تناسب أسلوبها المعتاد لأغراض إعلانية؟ من له حق الاعتراض خصوصاً ان كانت الطريقة لا تناسبها وتشكل تشويه لإرثها الموسيقي؟‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫أما بالنسبة للصورة، فالنص الأردني أوضح وأقوى.‬
‫‬
‫فنصت المادة (26) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة على أنه:‬
‫‬
‫‬
‫لا يحق لمن قام بعمل اي صورة ان يعرض اصل الصورة او ينشره او يوزعه او يعرض او ينشر او يوزع نسخاً منها دون اذن ممن تمثله ، ولا يسري هذا الحكم اذا كان نشر الصورة قد تم بمناسبة حوادث وقعت علناً او كانت الصورة تتعلق برجال رسميين او اشخاص يتمتعون بشهرة عامة او سمحت السلطات العامة بنشرها خدمة للصالح العام ويشترط في جميع الاحوال عدم عرض اي صورة او نشرها او توزيعها او تداولها ، اذا ترتب على ذلك مساس بشرف من تمثله او تعريض بكرامته او سمعته او وقاره او مركزه الاجتماعي ، على ان للشخص الذي تمثله الصورة ان يأذن بنشرها في الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الاعلام حتى ولو لم يسمح بذلك الشخص الذي قام بعمل الصورة الا اذا كان هناك اتفاق يقضي بغير ذلك .‬
‫‬
‫‬
‫النص لم يقل الصورة الفوتوغرافية فقط بل قال: بأي وسيلة أخرى.‬
‫
‫‬
‫أي أن الصورة المصنوعة أو المعاد توليدها أو المحاكية رقميًا ليست خارج النقاش القانوني لمجرد أنها خرجت من برنامج أو نموذج ذكاء اصطناعي.‬
‫‬
‫‬
‫والنص على خلاف ما جاء في النصوص الباحثة في الأداء الفني استخدم عبارة من تمثله والصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي تمثل من توفى حتى ان لم تنشأ اثناء حياته.‬
‫‬
‫‬
‫لكن الإشكالية في النص تمثلت باستثناء الشخصيات التي تتمتع بالشهرة العامة وهو ما يطبق في حالات فنانين الأداء الا انا هذا الاستثناء جاء بقيد الا يترتب على ذلك مساس بشرف من تمثله او تعريض بكرامته او سمعته او وقاره او مركزه الاجتماعي‬
‫‬
‫‬
‫مما يعني ان صنع صورة فنان الأداء بواسطة الذكاء الاصطناعي جائز دون اذن الا إذا كان ذلك يرتب مساساً بشرفه وتعرضاً لكرامته او سمعته او وقاره او مركزه الاجتماعي وهذا يدخلنا بثغرة جديدة اذ أن منح هذا الحق للكل ومنها الشركات التجارية يشكل نوع من أنواع الاستغلال التجاري ما لم يقترن بموافقة خلفه العام او الخاص من ناحية منطقية.‬
‫‬
‫‬
‫فهذا يطرح السؤال من صاحب الحق على إثر الوفاة؟‬
‫‬
‫ففين حين أن النصوص السابقة والتي تداولت الحق الادبي للمؤلف لم تكن صارمة بما فيه الكفاية لمنع انشاء مصنف بعد الوفاة دون موافقة الخلف الخاص او العام فهذا يطرح سؤالاً من مالك المصنف طالما انه لا قيود على انشائه بعد الوفاة؟ من يحق له الانتفاع به؟ خصوصاً إذا كان الهدف تجاري؟‬
‫‬
‫‬
‫الأقرب منطقاً أن يكون أصحاب الحق أو أصحاب المصلحة هم الورثة والخلف القانوني رغم غياب الأساس التشريعي لذلك.‬
‫
‫‬
‫حيث ان النصوص الناظمة لحق الاستغلال المالي للمصنف في القانون الأردني لم تنظم صراحة "ملكية صوت المتوفى الاصطناعي"‬
‫‬
‫‬
‫حيث القانون حماية حق المؤلف نفسه يعرف صاحب الحق بأنه:‬
‫‬
‫"المؤلف أو خلفه العام أو الخاص الذي يمارس حقوق المؤلف المالية التي آلت إليه بناء على اتفاق خطي مع المؤلف أو من يخلفه."‬
‫‬
‫‬
‫كما نصت المادة (21) على أن:‬
‫‬
‫"لورثة المؤلف وحدهم الحق في تقرير نشر مصنفه الذي لم ينشر اثناء حياته الا اذا كان المؤلف قد اوصى بعدم نشره او حدد الوقت الذي يجوز نشره فيه، فيجب التقيد بوصيته تلك."‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫ونصت المادة (22) على أن:‬
‫‬
‫"لورثة المؤلف الي مصنف وحدهم الحق في ممارسة حقوق الاستغلال المالي المنصوص عليها في هذا القانون لذلك المصنف."‬
‫‬
‫وعليه نجد باستقراء المواد ان حق الاستغلال المادي والنشر يناقش فقط المصنف الذي نشأ قبل الوفاة واثناء حياة المؤلف.‬
‫‬
‫‬
‫أما "الأداء الذي لم يحدث"، والصوت الذي صُنع بعد الوفاة، فما زال يحتاج إلى نص خاص.‬
‫‬
‫ولذلك، فإن أهم ما تكشفه هذه الواقعة ليس فقط سؤال: هل ما حصل مسموح؟‬
‫‬
‫‬
‫بل سؤال أكبر:‬
‫‬
‫هل يملك القانون الأردني حاليًا أدوات كافية لمنع تحويل الفنان المتوفى إلى شخصية رقمية قابلة للتأجير؟‬
‫‬
‫برأيي، الجواب: لا يكفي.‬
‫‬

‫‬
‫نحتاج تنظيمًا صريحًا يقول إن صوت الإنسان، وصورته، وملامحه، وطريقته في الأداء، لا يجوز استخدامها بعد وفاته في عمل فني أو تجاري جديد إلا بموافقة خطية ممن يملك الحق قانونًا وبحدود واضحة وحتى بقيد على خلفه العام والخاص، وبما لا يمس اسم المتوفى أو كرامته أو يضلل الجمهور‬
‫‬
‫‬
‫لأن المسألة لن تقف عند أغنية اليوم فنان، غدًا سياسي، بعدها رموز دينية، ثم شخص متوفى يظهر في فيديو يقول كلامًا لم يقله.‬
‫‬

‫الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلد الصوت.‬
‫‬
‫لكن القانون يجب أن يجيب: من يملك الإذن بإعادته للحياة؟‬
‫‬
‫فالخطر ليس أن نسمع صوت متعب الصقار مرة أخرى.‬
‫‬
‫الخطر أن نعتاد على أن الموتى يمكن أن يغنوا، يعلنوا، يبتسموا، ويوافقوا… دون أن يوافقوا.‬
‫‬
‫‬
‫‬

Related Articles